البطلان في القانون اليمني
شذرات قانونية:-
البطـــــــــلان في قـانــــون المرافعــــــــات:-
فرق القانون اليمني بين نوعين من البطلان, الأول: الانعدام, ولم يترتب عليه أي آثار قانونية.
والثاني: البطلان ورتب عليه بعض الآثار. نبينها في ما يلي:
أولًا انعدام العمل الإجرائي:-
1- تعريف الانعدام.
الانعدام نوع من أنواع البطلان يلحق العمل الإجرائي الذي تخلف عنصر أساسي من عناصر وجوده أي أن العيب الذي شاب الإجراء من العيوب الجسيمة التي تجعله والعدم سواء وتعرفه المادة (55) مرافعات يمني بأنه «وصف قانوني يلحق العمل القضائي ويجعله مجردا من جميع الآثار الشرعية والقانونية...»
غير أن هذا التعريف قاصر على العمل القضائي الصادر من القاضي دون سواه.
ويمكن أن نعرفه بأنه «وصف قانوني يلحق التصرف أو العمل الإجرائي الذي فقد ركنا من أركانه الأساسية بحيث لا يرتب عليه أية آثار شرعية أو قانونية. وهذا التعريف يكون شاملاً للعمل الإجرائي الصادر من القاضي أو من غيره. يستوي أن يكون من مساعد القاضي كاتبه- أمين السر- أو من شخص لا تتوفر فيه الصفة القضائية أو غير قاض أصلاً.
2-أنواع الانعدام:
والانعدام من ناحية وصفه قد يكون
انعداماً قانونياً وهو الذي نص عليه المشرع قانوناً. وقد يكون مادياً لا يحتاج إعدامه إلى نص يقرره. أي الانعدام غير المنصوص عليه.
أ- الانعدام المنصوص عليه. (الانعدام القانوني)
وهو الانعدام الذي يرتبه القانون كجزاء للعمل الإجرائي الذي فقد أحد أركان وجوده الأساسية.
سواء ورد بلفظه كانعدام العمل القضائي. مثل ما نصت عليه المادة (15) مرافعات. «يترتب على مخالفة المواد (13,12,11,9) مــــــن هذا الفصل انعدام العمل القضائي وكل ما يترتب عليه».
أو ما يفيد معناه, كالنص على اعتبار العمل (كأن لم يكن) مثل ما نصت عليه المادة (104/7) مرافعات يمني. ومن تطبيقاته في قانون المرافعات, ما نصت عليه المادة (9) من أن جميع الإجراءات والأعمال التي يصدرها القاضي في غير التقيد بقرار تعينه أو ندبه أو نقله تعتبر أعمالًا معدومة لأنها صدرت في غير محل ولاية.
وكذلك الإجراءات التي صدرت في نزاع سبق حسمه بقرار قضائي من محكمة مختصة أو محكم رضي الطرفان بحكمه.
وكذلك الإجراءات والأعمال التي صدرت خلافا لتشكيل المحكمة ولم يفرق القانون بين إجراءات تسيير القضية وبين الحكم فكل عمل يصدر في غياب أحد الأعضاء يعتبر معدوماً يستوي أن يكون عملاً إجرائياً متعلقاً بسير الخصومة أو حكماً.
ب- الانعدام غير المنصوص عليه. (الانعدام المنطقي) وهو كل إجراء أخل بأحد أركان وجوده الأساسية. ويسمى بالانعدام المادي أو الفعلي أي أن أركان الوجود يرجع في تحديدها إلى المنطق أو مادية العمل وليس إلى نصوص القانون.
فالقاضي يجب عليه أن يكيف العمل الإجرائي في غير الحالات المنصوص عليها بالنظر إلى أركانه أو عناصر وجوده الأساسية,
فإن جاء العمل مخالفاً لعناصر وجوده الأساسية,
حكم بانعدامه.
ومن التطبيقات التي يوردها الفقه:
~صدور الحكم بناء على صحيفة إعلان مزورة,
~أو لم يعلن المحكوم عليه أصلا
~أو لا يشتمل على قرار المحكمة أي (منطوقه)
~أو من شخص ليس بقاض أصلاً.
وقد يكون العمل الإجرائي موجوداً
ولكن تخلف عنصر أساسي من عناصر وجوده,
كعدم التوقيع على الحكم من القاضي الذي أصدره, أو عدم توقيع المحضر على إعلان الصحيفة.
ثانيا: بطلان العمل الإجرائي:-
1-تعريف البطلان.
والبطلان يعرفه الفقه بأنه «تكيف قانوني لعمل يخالف نموذجه القانوني مخالفة تؤدي إلى عدم إنتاج الآثار التي يرتبها عليه القانون إذا كان كاملا».
وهذا التعريف وإن كان يفرق بين العيب والبطلان من ناحية،
وبين عدم إنتاج الآثار القانونية للعمل المخالف لنموذجه القانوني, والبطلان من ناحية أخرى.
غير أنه لاقى انتقاداً لاذعاً من الفقه على أساس أنه قاصر على البطلان من الناحية الإجرائية،
باعتبار الحكم عملا إجرائيا شكليا سواء كان البطلان الذي يلحق الحكم في ذاته أو البطلان الذي يلحق إجراء من الإجراءات التي تؤثر في الحكم.
فيؤخذ عليه أن الحكم القضائي إذا صدر وفقاً للإجراءات الشكلية يكون صحيحاً ولو خالف القانون من الناحية الموضوعية.
2- أنواع البطلان:-
أ- البطلان المنصوص عليه صراحة.
ب- نصت المادة (47) مرافعات يمني على أن «يقع باطلا كل إجراء نص القانون صراحة على بطلانه»
وفقا للمادة سالفة الذكر يتعين الحكم بالبطلان لكل إجراء نص القانون على بطلانه سواء ورد النص بلفظه أو بلفظ النفي والنهي.
والمتتبع للنصوص الإجرائية التي وردت في قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني يجد أن النصوص التي وردت مقررة للبطلان صراحة بلفظ حالات قليلة ومن أمثلة ما نصت عليه المادة (222) مرافعات من أنه لا يجوز أن يشترك في إصدار الحكم قاض لم يسمع المرافعة وإلا كان الحكم باطلاً.
وكذلك ما نصت عليه المادتان (224,223) مرافعات, من بطلان الإجراءات المتخذة في غياب الخصوم أو أحدهما إذا قررت المحكمة فتح باب المرافعة أو قبول أوراق أثناء المداولة من أحد الخصوم دون إطلاع الآخر.
والمادة (225) مرافعات, التي تقرر على أن عدم التوقيع على مسودة الحكم من قبل القضاة الذين اشتركوا فيه يجعل الحكم باطلا. وكذلك ما نصت عليه المادة (125) من عدم جواز أن يكون أحد القضاة وأعضاء النيابة العامة وكيلا أو منصوبا عن أحد الخصوم مالم يكن قريباً له.
ب – البطلان غير المنصوص عليه:-
أولًا بطلان الإجراءات الجوهرية. (نظرية أو معيار الشكل الجوهري)
لم يكتف القانون اليمني بالبطلان المنصوص عليه صراحة، ولكنه رأى أن هناك أشكالًا جوهرية يترتب على إغفالها بطلان الإجراء أو العمل ولو لم ينص المقنن على بطلانها فنص في المادة (48) مرافعات يمني على أنه «يقع باطلاً كل إجراء أغفل أو جاء مخالفاً لغرض جوهري. فهل عبارة العجز تفسر عبارة الصدر. هل العطف هنا يقتضي المشاركة أو المغايرة؟ الواقع إذا قلنا بالمشاركة فالتكرار لا فائدة منه وإن قلنا بالمغايرة فما فائدة النص على البطلان وما فائدة النص على تحقق أو عدم تحقق الغاية من الإجراء.
لهذا نرى تعديل النص على النحو التالي: «يقع باطلا إغفال كل إجراء جاء مخالفا لغرض جوهري» ولكن ما هو الإجراء الجوهري؟
يرى بعض الفقه أن الإجراء الجوهري «هو الشكل اللازم لوجود العمل»
وعلى ذلك يكون العيب الجوهري هو العيب الجسيم الذي يلحق العمل بحيث يجعله وعدم الوجود سواء. غير أن الفقه انتقد هذا التعريف على اعتبار أن العمل الإجرائي المعدوم لا يرتب أية آثار قانونية, بينما مخالفة الشكل الجوهري يرتب آثاراً قانونية.
وبناء على هذا المعنى يكون العيب الجوهري هو العيب المعدوم وبالتالي يكون ذكر المشرع اليمني للإجراء الجوهري تزيد في غير محله وتكرار غير مستساغ.
وذهب آخرون إلى أنه «الشكل الذي يرتب مخالفته ضرراً لصاحبه» أي أن العيب الجوهري هو الذي يلحق العمل فيحدث ضرراً لصاحبه بالمعنى الإجرائي أي فوات المصلحة أو الضمانة التي يحققها الشكل أو البيان
ويفسر البعض الضمانة بالمصلحة المقررة لحماية المجتمع أي المتعلقة بالنظام العام،
فمثلاً ميعاد الطعن في الأحكام شكل جوهري تقتضيه مصلحة النظام العام , وهو استقرار الأحكام القضائية ومخالفته يرتب البطلان.
وميعاد تقادم الخصومة إجراء جوهري مقرر لمصلحة النظام العام وهو حسم الخصومات وعدم تأبيدها إلى ما لا نهاية.
على حين يفسره البعض بالمصلحة المقررة قانوناً لصالح الشخص المتقاضي أي المصلحة المتعلقة بحماية مصالح الخصوم.
فعدم إعلان الخصم أو المدعى عليه, قبل السادسة صباحا أو بعد الساعة السادسة مساء, هو عدم إزعاج المعلن إليه في وقت يشعر فيه بالأمن والسكينة الذي يمثل في نفس الوقت إخلالًا بالأمن وإقلاقاً للسكينة بمفهوم الأمن العام،
غير أن هذا التعريف انتقد أيضاً على اعتبار أن هناك إجراءات قليلة الأهمية بالنظر في المصالح التي تحميها يقضي المنطق بعدم بطلانها ومع ذلك يحكم ببطلانها لأنها تتعلق بالنظام العام.
وهناك إجراءات على قدر كبير من الأهمية بالنظر إلى المصلحة التي تحققها مخالفتها يقضي المنطق ببطلانها،، ومع ذلك لا يقضي ببطلانها لأنها تتعلق بمصلحة الأفراد.
ثانياً: بطلان الإجراءات المخالفة للغاية المقصودة من عدم تحققها (معيار عدم تحقق الغاية):-
ولكن ما المقصود من الغاية أو النتيجة المطلوبة من الإجراء خاصة وأن كلمة «إجراء» تفسر بمعنيين:
الأول : بمعنى العمل الإجرائي.
والثاني: بمعنى الشكل.؟
ولأن هناك فرقاً بين الغاية من الإجراء والغاية من الشكل فقد تتحقق الغاية من الإجراء ومع ذلك يكون الإجراء باطلاً لعدم تحقيق الغاية من الشكل،،فالتبليغ مثلاً يحقق الغرض منه وهو إبلاغ المعلن إليه ولو تم في عطلة رسمية إلا أنه لا يحقق الغاية من الشكل الذي اشترطه القانون وهو عدم إزعاج المعلن إليه في العطلة الرسمية.
والحكم من غير تسبيب يحقق الغاية منه وهو حسم النزاع بين أطراف الخصومة طبقاً للقانون بينما الغاية من الشكل لم تتحقق وهي ضمان جدية الحكم.
فالمشرع اليمني لم يفصح عن ذلك, كما أن الفقه اليمني لم يدلي بدلوه في هذا الجانب, والقضاء اليمني لا توجد له تطبيقات موثقة بهذا الخصوص يمكن الرجوع إليها مما يجعلنا نقول إن المشرع اليمني استهدف الغاية «النتيجة المطلوبة» بشقيها الغاية المطلوبة من العمل الإجرائي ذاته الذي يدخل الشكل عنصراً فيه والغاية المطلوبة من الشكل أو البيان الذي تطلبه.
فمثلاً واقعة تسليم أوراق المحضرين وهي من الأعمال الإجرائية اشترط القانون أن تسلم إلى الشخص نفسه أو من ينوب عنه أو في موطنه.
هذا العمل الإجرائي الغرض منه ضمان وصول الورقة إلى المخاطب بها سواء بنفسه أو من ينوب عنه فإذا لم تتحقق الغاية أو النتيجة المطلوبة من هذا العمل الإجرائي وذلك بأن سلم الإعلان لأحد زملائه فالعمل الإجرائي باطل لتخلف الغاية من العمل الإجرائي بصرف النظر عن الشكل داخل العمل. ككتابة المحضر لاسمه على الإعلان أو تنفيذه في المواعيد المسموح بها قانوناً.
كذلك إيداع تقرير بالطعن خلال أجل معين وهو ستون يوماً وأن يوقع عليه محام مقبول أمام محكمة النقض
فهذا شكل معين تطلبه المشرع هذا الشكل له غاية أو نتيجة معينة فتوقيع محام على التقرير الهدف منه ضمان إفراغ الطعن في قالب قانوني يسهل على محكمة النقض معرفة طلبات الطاعن وأسانيده الواقعية والقانونية.
فلا يكفي تحقق الغاية أو النتيجة المطلوبة من أحدهما ذلك أن القانون مادام لم ينص على البطلان جزاء الشكل أو بيان معين فإنه يدل بهذا على عدم إرادته توافر الشكل أو البيان إلا بالقدر اللازم لتحقيق النتيجة المطلوبة من العمل الإجرائي الذي يتضمنه.
ويجب على القاضي وهو يطبق معيار تحقق الغاية أو النتيجة المطلوبة أن يبحث في كل حالة على حدة عن تحقيق الغاية المطلوبة من الإجراء هل حققت فعلاً أو لم تحقق. فهو لا يحكم بالبطلان على أساس أهمية الشكل بصفة عامة,
وإنما على أساس أن تخلف الشكل في الحالة المعروضة عليه قد أدى إلى تفويت الغاية أو النتيجة المطلوبة منه للخصم وهي مسألة وقائع يتمتع القاضي في ذلك بسلطة تقديرية لا يخضع فيها لرقابة المحكمة العليا (محكمة النقض).
لكن تحقيق الغاية المطلوبة يجب أن تتم وفقاً لإرادة المشرع وهي النتيجة الموضوعية التي قصد المشرع تحقيقها لا وفقاً للوجهة الشخصية لمن يقوم بالإجراء وهذه مسألة قانون يخضع فيها القاضي لرقابة المحكمة العليا.
تعليقات
إرسال تعليق